“ربما لا يوجد مثال في التاريخ المعاصر يوضح قوة شرعنة المعلومات المضللة كما فعلت حرب العراق في عام 2003. فقد بُنيت هذه الحرب على رواية رئيسية: «صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل ويشكل تهديدًا وشيكًا للعالم». هذه الادعاءات، التي كررها كبار المسؤولين في حكومتي الولايات المتحدة وبريطانيا باستمرار، تحولت إلى التبرير الأساسي للغزو العسكري لدولة مستقلة. لحظة الحقيقة!
في قلب هذه الأزمة، كان هناك رجل مكلف بالبحث عن الحقيقة وليس اختلاق ذريعة للحرب: هانس بليكس، رئيس مفتشي الأسلحة في الأمم المتحدة آنذاك. في خطاب له أمام «لجنة أسلحة الدمار الشامل»، قدم صورة واضحة للضغوط السياسية في تلك الفترة. أشار بليكس إلى أن العالم كان ينتظر «لحظة الحقيقة»، لكن الحقيقة لم تكن كما ادعت الحكومات المعادية. وفقًا له، كانت المعلومات المقدمة لتبرير الحرب تستند إلى تقارير غير موثوقة من «جواسيس ولاجئين» وعلى «تحليلات ذاتية» وحتى «معلومات مختلقة». في نقد كتابه بعنوان «نزع أسلحة العراق»، أشار أيضًا إلى «نقص الأدلة»، مبينًا أن فريق التفتيش، رغم الضغوط الشديدة، لم يتمكن من العثور على أدلة قاطعة تؤيد ادعاءات الولايات المتحدة وبريطانيا. ومع ذلك، لم يمنع هذا الغموض من انطلاق الحرب.
كيف صدّق الشعب الحرب؟!
كانت حملة المعلومات لتبرير حرب العراق لا تستهدف فقط السياسيين؛ الهدف الرئيسي كان الرأي العام الأمريكي. كشف تقرير مركز بيو للأبحاث الصادر عام 2023، عند النظر إلى تلك الفترة، عن أبعاد مدهشة لهذا النجاح الدعائي. وفقًا للتقرير، قبل الحرب، كان 71٪ من الأمريكيين يعتقدون أن الهجوم على العراق «قرار صائب». وأكثر إثارة للقلق، كانت المعتقدات الخاطئة المتجذرة بين الناس: فقد اعتقد 69٪ خطأً أن صدام حسين كان له علاقة مباشرة بهجمات 11 سبتمبر، و66٪ اعتقدوا أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل. هذه الإحصاءات توضح كيف أن حملة معلوماتية منسقة، من خلال التكرار المستمر للادعاءات غير المستندة، استطاعت بناء واقع بديل في ذهن غالبية المجتمع، وجمعت الدعم اللازم لإحدى أكثر الحروب جدلاً في القرن الحادي والعشرين.
عبر المحيط، لم تكن هذه الحرب المعلوماتية مشروعًا أمريكيًا فحسب. لعبت الحكومة البريطانية بقيادة توني بلير دورًا حيويًا في شرعنة هذا الغزو. كما يظهر تقرير جامعة إكستر بعنوان «وسائل الإعلام البريطانية والتبرير الأخلاقي لحرب العراق»، فقد أضافت الحكومة البريطانية وقودًا للنار عبر نشر وثائق مثل «ملف سبتمبر»، الذي أصبح لاحقًا معروفًا باسم «الملف المثير للجدل». من أبرز وأشهر الادعاءات في هذا الملف، أن العراق قادر على تفعيل أسلحته الدمار الشامل خلال 45 دقيقة. هذا الادعاء، الذي خلق شعورًا بتهديد فوري وداهم، تم تكراره وتعزيزه على نطاق واسع من قبل وسائل الإعلام البريطانية، وخصوصًا الصحف واسعة الانتشار مثل صحيفة «صن». من خلال عناوين مثيرة، ساعدت هذه الصحف في بناء «تبرير أخلاقي» للحرب وأهمت أي أصوات معارضة. هذا التعاون بين الحكومة ووسائل الإعلام يظهر قوة النظام المعلوماتي المنسق في تشكيل الرأي العام.
انتصار الرواية الجذابة على الحقيقة المعقدة
بينما بدأت آلة الحرب بالتحرك، كان مفتشو الأمم المتحدة في العراق لا يزالون يبحثون عن الحقيقة، لكن صوتهم اختفى في ضجيج طبول الحرب. يوضح تقرير موقع «Warnings from the Archive» الذي يحلل الوثائق التاريخية، أن هانس بليكس وفريقه أبلغوا مجلس الأمن مرارًا أنه رغم أن العراق لم يتعاون بالكامل، لم يتم العثور على أي دليل قاطع على وجود برامج أسلحة دمار شامل نشطة. طلبوا مزيدًا من الوقت لاستكمال التفتيشات. لكن هذه الرواية المبنية على عدم اليقين والحاجة للوقت لم يكن لها فرصة أمام الرواية البسيطة والجذابة والمثيرة لـ «التهديد الوشيك».
لم يكن هذا التغلب نتيجة للضغط السياسي أو الإعلامي فحسب؛ فالانحيازات المعرفية لعبت دورًا مهمًا أيضًا.
الانحياز التأكيدي: ركز السياسيون ووسائل الإعلام على الأدلة التي تؤكد فرضية «التهديد الوشيك» وتجاهلوا المعلومات المتناقضة.
تأثير التوافر: جعلت الصور والذكريات البارزة بعد 11 سبتمبر خطر العراق يبدو أكبر وأقرب، حتى دون وجود أدلة كافية.
الانحياز السلبي: أضفت سيناريوهات أسوأ حالة وزنًا أكبر، مما خلق شعورًا بالعجلة لاتخاذ إجراء عسكري.
انحياز السرد: كانت قصة «ديكتاتور مسلح يجب إيقافه استباقيًا» أكثر جاذبية وتأثيرًا من تقارير المفتشين الدقيقة والمبهمة.
في النهاية، كما كتب بليكس لاحقًا، اختار العالم تجاهل تقارير المفتشين، مما مهّد الطريق لحرب استندت إلى معلومات ثبت لاحقًا زيفها. كانت حرب العراق، قبل كل شيء، قصة انتصار رواية جذابة على حقيقة معقدة.
كما أظهرت تقارير متعددة، بما في ذلك تقرير «باتلر» في بريطانيا وتقارير مفتشي الأمم المتحدة، أن المعلومات المقدمة لدعم الادعاءات كانت إما مبالغًا فيها أو بلا أساس. على سبيل المثال، استندت الوثائق إلى مزاعم مزيفة حول محاولة العراق شراء اليورانيوم من النيجر، أو عرضت صورًا فضائية لشاحنات وصنفتها كـ «مختبرات متنقلة للأسلحة البيولوجية». كان هذا مثالًا كلاسيكيًا على دمج المعلومات المضللة المستهدفة والدعاية.
النتيجة؟
نجحت هذه الحملة المعلوماتية في حشد الرأي العام في أمريكا وبريطانيا لدعم الحرب، وخلقت شعورًا بـ «التهديد الفوري»، ووصمت أي معارضة للحرب بالغباء أو حتى الخيانة. رغم أنه لم يُعثر لاحقًا على أي أسلحة دمار شامل في العراق، إلا أن الحرب كانت قد بدأت بالفعل وتركّت بلدًا مدمرًا. تُعد حرب العراق درسًا تاريخيًا صادمًا يوضح كيف يمكن للمعلومات المضللة، عندما تروجها مصادر رسمية وقوية، أن تؤدي مباشرة إلى أحد أكثر الأعمال دمارًا: الحرب الشاملة.”