الوصول إلى الرغبات وتلبية احتياجات الإنسان مرتبط بإقامة الاتصال. وإذا اقتصرنا هذا الاتصال على التواصل البشري وتجاوزنا دراسة أنواع الاتصال الأخرى، فإن السؤال المطروح سيكون: كيف يؤثر الأفراد بعضهم على بعض في التواصل البشري وما هي النقطة المثلى لهذا التأثير؟
على مر التاريخ، كان التأثير على الآخرين أحد أكثر المواضيع جاذبية للفلاسفة والمفكرين، وأحد أهم القضايا المطروحة في المجتمعات البشرية. والنقطة النهائية والغاية لهذا التأثير تُعرف بـ «الإقناع».
أصل الاهتمام بالإقناع في الاتصالات الحديثة يعود إلى أعمال هارولد لاسول في مجال الدعاية السياسية، وكارل هاولند في مجال علم النفس الاجتماعي.
في النص التالي، سنلقي نظرة إجمالية على تعريف هذا المصطلح ودراسة طرق تحقيقه.
ما هو الإقناع؟
في قاموس معين، عُرف الإقناع بما يلي: ١- الإقناع، ٢- إرضاء الطرف الآخر.
هاتان التعريفان يمثلان جوهر معنى الإقناع، لكن هذه المصطلحات بمفردها لا تكفي لتوضيح جوهر الإقناع في التواصل البشري؛ لذلك يجب دراسة تفسيرات العلماء في هذا المجال.
«عملية تفاعلية معقدة ومستمرّة يكون فيها المرسل والمتلقي مرتبطين من خلال الرموز اللفظية وغير اللفظية، ويحاول المقنع التأثير على المقنع له من خلالها لتوسيع إدراكه أو تغييره، مما يؤدي إلى تغيير في حالته أو سلوكه.» هذا تعريف أودانل وكابل للإقناع.
ومن وجهة نظر مارشال سولس: «الإقناع يسعى إلى تغيير المواقف والقيم والمعتقدات والسلوكيات بحيث تتحقق الاحتياجات المتبادلة.»
وبالتالي، يمكن تعريف الإقناع بأنه الجهد الواعي من فرد أو منظمة لتغيير مواقف أو معتقدات أو قيم أو آراء فرد أو مجموعة أخرى. ويحدث هذا كنتيجة لسلوك هادف من جانب المرسل لإقامة اتصال فعال. ومن المفترض أن يكون رضا الطرف الآخر وقبوله من أساسيات الإقناع، مع أن بعض المصادر تعتبر الإجبار أو التهديد أيضًا شكلًا من الإقناع.
عناصر الإقناع
لنجاح الاتصال الإقناعي، توجد عناصر ضرورية يمكن إجمالها فيما يلي:
-
الرضا: على عكس استخدام القوة التي تسبب استياء، فإن عملية الإقناع تحدث برضا المتلقي (حتى لو كان مؤقتًا وقد يُنتهك لاحقًا).
-
التفاعل: الإقناع عملية ثنائية، حيث يقدم المقنع وعدًا لتلبية احتياجات المتلقي مقابل تبنيه للموقف.
-
المرساة: يجب اختيار موقف أو معتقد قائم كمرساة لإقامة التواصل عليها، ليصبح نقطة التقاء بين المقنع والمتلقي.
-
الفن: التاريخ يظهر أن المقنعين غالبًا ما كانوا يقدمون رسائلهم بأسلوب فني لجذب الجمهور، من الخطباء الرومان إلى صانعي المحتوى في وسائل التواصل.
مراحل الإقناع
بعد توفير العناصر الأساسية، يحقق الإقناع مراحل خمس:
-
الوعي: المرحلة الأولى، حيث يكتسب الأفراد معرفة بالرسالة أو الظاهرة الجديدة.
-
جذب الانتباه والاهتمام: يجب أن تجذب الرسالة اهتمام الجمهور وارتباطها باحتياجاتهم.
-
التقييم النظري: بعد الوعي والانتباه، يقوم المتلقي بتقييم الرسالة وطرح أسئلة حولها.
-
الاختبار العملي: يختبر المتلقي الرسالة عمليًا أو يسأل عن نتائج من اختبرها.
-
القبول والمتابعة: المرحلة النهائية، حيث يشكل المتلقي موقفه بناءً على الرسالة ويستمر في متابعة آثارها.
هذه المراحل متوافقة مع نظرية انتشار الابتكارات لأورت روجرز، حيث يقوم المتلقي بتقييم الابتكار قبل اعتماده أو رفضه.
مستويات الإقناع
-
تقليل المقاومة: الاعتراف بالآراء المعارضة دون رفضها.
-
المتابعة والقبول الخارجي: قبول ظاهري للرسالة دون تبني كامل.
-
تغيير المعتقدات الداخلية: أفضل مستوى، حيث يصبح الموقف متوافقًا مع الرسالة أو يشكل معتقدًا جديدًا يؤدي إلى سلوك متابع.
نماذج الإقناع
-
نموذج هاولند: ثلاث مراحل: الانتباه، الفهم، القبول.
-
نموذج مكغواير: تكملة لنموذج هاولند مع التركيز على عناصر الاتصال: المصدر، الرسالة، القناة، المتلقي، مع مراحل الانتباه، الفهم، الرغبة، والتطبيق العملي.
التمييز بين الإقناع والدعاية والإعلان والبلاغة:
-
الإعلان: يركز على التسويق، ولا يضمن قبول المتلقي.
-
الدعاية/البروباغاندا: تهدف لتحقيق أهداف المرسل دون ضمان مصلحة المتلقي، وغالبًا ما تكون غير محايدة.
-
البلاغة: استخدام أساليب التأثير على الجمهور، لكنها ليست مرادفًا للإقناع.
عوامل الإقناع:
تشمل: الوعد، التهديد، اكتساب أو فقدان المهارة، الترحيب، الدفع المسبق، الدين، الأخلاق، الشعور الإيجابي أو السلبي، التصور الاجتماعي الإيجابي أو السلبي، والسمعة.
فن الإقناع:
-
الجاذبية البصرية، استدعاء المعاني، المرافقة المنطقية، تحريك العواطف، المصدر الموثوق، المجموعة، التحفيز، التوجيه، إثارة الخوف، أثر الأولوية، التقابل مع التنافر المعرفي.
هذه الطرق تساعد على تعزيز قبول الرسالة دون انتهاك المبادئ الأخلاقية للإقناع.