نحن نعيش في فترة تُعرف بـ «عصر ما بعد الحقيقة»، وهي فترة أصبح فيها، بسبب الانتشار المتزايد للمصادر الإخبارية والمعلوماتية، وقدرة تقريبًا كل فرد على إنتاج ونشر الأخبار، من الصعب تمييز الحقيقة من الكذب، بل أصبحت الحدود بينهما باهتة أو عديمة المعنى. في مثل هذا الفضاء، لم يعد تحديد صحة خبر أمراً سهلاً، لأن معايير تحديد الحقيقة لم تعد قائمة على الوثائق والبيانات القابلة للتحقق، بل على المشاعر الفردية والعواطف الجماعية.
في هذا العصر، حلت المشاعر محل الحقائق الموضوعية. فكلما كان المحتوى يحمل حملاً عاطفياً أكبر، زادت احتمالية مشاهدته وإعادة نشره وتأثيره. وتقوم خوارزميات الشبكات الاجتماعية بتعزيز هذه المشاعر؛ أي أن المحتويات التي تثير الغضب أو الخوف أو الدهشة أو التعاطف تُعرض أكثر للمستخدمين. وهذا يجعل الحقيقة تضيع وسط موجات الأخبار المثيرة والموجهة.
كما تستغل وسائل الإعلام الأجنبية والتيارات المؤثرة هذه النقطة الضعيفة. فهي تستخدم تقنيات إقناعية لصياغة سرديات هدفها ليس تقديم الواقع، بل إثارة المشاعر العامة وتوجيه الفكر نحو أهداف سياسية أو اقتصادية محددة. ويمكن ملاحظة أمثلة واضحة على هذه التوجهات في العديد من الأحداث الأخيرة.
في هذا الفضاء، لم تعد مصداقية الوسيلة الإعلامية أو الصحفي هي العامل الحاسم لنجاح سردية خبرية، بل أصبحت القدرة على التأثير في الشبكات الاجتماعية وتشكيل الترندات والنقاشات العامة العامل الأهم. ولهذا السبب، أصبح للمشاهير والمؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي دور محوري في تشكيل الرأي العام، حتى وإن لم يكن لديهم خبرة في الصحافة أو التحليل السياسي.
المجتمع في طور الانتقال من النظام الإخباري التقليدي، الذي كان تحت سيطرة المحررين ووسائل الإعلام الرسمية، إلى هيكل سائل ومعقد، حيث اختفت الحدود بين منتج ومستهلك الخبر. الآن، إلى جانب الصحفيين المحترفين، أصبح الناس العاديون أنفسهم صانعي السرديات. هذا التغير الهيكلي أدى إلى تغيير أنماط استهلاك الأخبار؛ لم يعد هناك التزام بدراسة المقالات بدقة، أو التحقق من المصادر، أو تدقيق المحتوى. الآن يكتفي الكثير من المستخدمين بقراءة العنوان أو رؤية صورة مؤثرة أو بضع ثوانٍ من فيديو، ويعتبرونها أساساً للحكم.
هذا الاستهلاك السطحي والعابر يوفر بيئة مناسبة لانتشار الأخبار الزائفة والمعلومات الخاطئة، لأن المستخدم لا يخصص وقتاً للتحقق من صحة المعلومات، وغالباً لا يعرف حتى كيفية تقييم مصداقية المصدر أو الخوارزمية وراء نشر الخبر.
وبالتالي، فإن الخصائص الجوهرية للإعلام الرقمي — مثل السرعة، والخوارزميات، وإمكانية إعادة النشر بسرعة، والتركيز على المحتوى البصري —، بالإضافة إلى خصائص الجمهور الجديدة — مثل ضيق الصبر، والميول العاطفية، ونقص مهارات التفكير النقدي —، جعلت من هذه الفترة بحق تسمى عصر ما بعد الحقيقة، حيث أصبحت الحقيقة ضحية السرعة والمشاعر والضغط على النقرات.
في هذا العصر، أصبح الوعي الإعلامي ضرورة أكثر من أي وقت مضى. الوعي الإعلامي ليس للأطفال والمراهقين فحسب، بل للجميع. فبامتلاك هذه المهارة فقط يمكننا إيجاد الطريق الصحيح في بحر المعلومات الهائج، ومواجهة موجات الأخبار المزيفة، والسرديات الكاذبة، والمشاعر الموجهة.
المصدر:
McIntyre, Lee. (2019). Post-Truth (ترجمة نگار صابرآرا). نشر نیماژ.