أسُسُ الإدراك لقبول الأخبار المزيفة

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، نواجه تدفقًا هائلًا من المعلومات وزيادة في الحمل الذهني؛ هذه الظروف يمكن أن تثير مشاعرنا، تؤثر على قراراتنا وتجعل التمييز بين الأخبار الحقيقية والمزيفة أكثر صعوبة. إن الوعي بالآليات الإدراكية والانحيازات الذهنية هو خطوة ضرورية للعيش بوعي أكبر في العالم الرقمي.

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، نواجه ظاهرة تُسمى «الإرهاق المعلوماتي»[1]. افتح صفحة هاتفك المحمول وتجول لبضع دقائق في شبكة إنستغرام الاجتماعية. سترى أخبارًا حول الشرق الأوسط، الحرب بين روسيا وأوكرانيا، ارتفاع أسعار السلع، سفر الأصدقاء، وضع الغاز والقمح في أوروبا، احتجاجات الناس على بعض إجراءات الحكومة، استخدام خدمات التجميل من قبل أحد المدونين[2] على إنستغرام، طريقة إعداد طعام، صنع حرفة يدوية، معلومات عن التغذية والصحة، معلومات عن السيارات، معلومات عن الذهب، وما إلى ذلك، خلال دقائق قليلة فقط في القصص والمنشورات. هل تحتاج حقًا إلى كل هذه المعلومات؟ إذا لم تكن لديك هذه المعلومات، هل لن تتمكن من إدارة شؤون حياتك اليومية؟ ألن يثير أيٌّ من هذه الأخبار والمعلومات شعورًا لديك؟ ألم تتحرك من مكانك؟ في هذه الفترة القصيرة، يتم إفراز هرمونات مختلفة في جسمك، بما في ذلك الإثارة والخوف والقلق والتوتر (الكورتيزول). دماغنا يتفاعل عند إفراز هذه الهرمونات أثناء التفاعل والتجوال في وسائل التواصل الاجتماعي بنفس الطريقة التي يتفاعل بها عند تجربة هذه الأمور في العالم الحقيقي. لهذا السبب اكتشف الباحثون أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي قد يزيد من خطر النوبات القلبية والسكتة الدماغية[3].

عند مشاهدة فيديو لطفل مصاب بالسرطان، يتم إفراز هرمون الأوكسيتوسين في جسمك ويزيد شعورك بالتعاطف والسخاء والرغبة في تقديم المساعدة المالية. يُعرف الأوكسيتوسين بهرمون الحب. أظهرت نتائج دراسة لي زو وزملائه[4] (2019) أن هذا الهرمون يلعب دورًا في زيادة ميلنا للثقة بالآخرين أو التوافق مع آرائهم. عندما نكون على دراية بتأثيرات الهرمونات، سيكون لدينا تحليل أكثر دقة عند التعامل مع سلوكيات الأشخاص. إذا زاد مستوى الأوكسيتوسين في الجسم، قد تزداد المساعدات السخية للأحزاب السياسية أو الجمعيات الخيرية أو الأفراد بنسبة تصل إلى 50%.

تُظهر الدراسات أن تدفق المعلومات من جهة وتحفيز مشاعرنا من جهة أخرى يؤثران على انتشار الأخبار الزائفة.

عندما نواجه كمية أقل من المعلومات يوميًا، يصبح الانتباه والتمييز بين الأخبار الزائفة والحقيقية أسهل لنا، لكن مع تدفق المعلومات الكبير، تضعف آلية كشف الأخبار الزائفة وينخفض التركيز على التمييز، ويزداد احتمال مشاركة الأخبار الزائفة. وبالتالي، يصبح من الأسهل التلاعب بالفرد الذي يتعرض لوفرة المعلومات.

لماذا لا يفكر عقلنا دائمًا بشكل محايد؟

يُعالج العقل البشري آلاف البيانات والمعلومات يوميًا. من الأخبار التي نراها على وسائل التواصل الاجتماعي إلى المحادثات التي نجريها مع الآخرين، كل شيء يتعرض للتحليل والتقييم الذهني. ولكن هذه المعالجة ليست دائمًا محايدة ومنطقية. يستخدم العقل اختصارات معرفية ليتمكن من اتخاذ القرارات بسرعة أكبر. تساعدنا هذه الاختصارات على معالجة المعلومات بسرعة أكبر، لكنها في الوقت نفسه قد تجعلنا نتلقى المعلومات مشوهة أو خاطئة. تُسمى هذه الظواهر بالتحيزات المعرفية.

فيما يلي بعض من أهم التحيزات المعرفية التي تؤثر على قبول الأخبار الزائفة:

  1. التحيز التأكيدي (Confirmation Bias)
    يميل عقلنا إلى قبول المعلومات التي تؤكد معتقداتنا السابقة وتجاهل المعلومات المتناقضة. إذا كان شخص ما يعتقد مسبقًا بنظرية مؤامرة، فإنه يقبل الأخبار المتعلقة بها بسهولة أكبر، حتى لو أظهرت الأدلة العلمية عكس ذلك.

  2. تأثير التكرار (Illusory Truth Effect)
    كلما سمعنا خبرًا أكثر، زادت احتمالية اعتباره صحيحًا. تعمل وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي على تعزيز هذا التحيز من خلال تكرار المعلومات باستمرار، حتى لو كانت خاطئة.

  3. التحيز في سهولة الاستدعاء (Availability Heuristic)
    يميل عقلنا إلى إعطاء وزن أكبر للمعلومات التي يسهل تذكرها. إذا تم نشر خبر زائف على نطاق واسع وتحدث الجميع عنه، يعتبر العقل أنه أكثر أهمية وواقعية من الأخبار الأقل انتشارًا.

  4. تأثير الهالة (Halo Effect)
    إذا نشر شخص مشهور أو وسيلة إعلام موثوقة خبرًا، فإن احتمال قبولنا له بدون تحقق يزيد. هذا يعني أن شهرة المصدر قد تجعلنا أقل دقة في فحص صحة المعلومات.

  5. التحيز السلبي (Negativity Bias)
    يميل عقلنا للانتباه أكثر للأخبار السلبية، لأن البقاء والأمان يعتمد على التعرف على التهديدات. لهذا السبب، تجذب الأخبار الزائفة التي تحتوي على رسائل مخيفة أو تحذيرية الانتباه أكثر ويتم قبولها أسرع.

  6. التحيز الجماعي (In-Group Bias)
    نميل إلى الاعتقاد بأن آراء ومعتقدات المجموعة التي ننتمي إليها أكثر صحة. إذا صدق مجموعة ننتمي إليها خبرًا، فمن المرجح أن نصدقه نحن أيضًا، حتى لو كانت هناك أدلة ضده.

  7. تأثير البداية (Primacy Effect)
    المعلومات التي نتلقاها أولًا لها تأثير أكبر على فهمنا وحكمنا. إذا تلقينا خبرًا زائفًا في البداية، يعتبره العقل إطارًا أوليًا، وتؤثر الأخبار اللاحقة (حتى لو كانت حقيقية) بشكل أقل على حكمنا.

  8. تأثير الحداثة (Recency Effect)
    على عكس تأثير البداية، تؤثر المعلومات الحديثة جدًا أيضًا بشكل كبير على قراراتنا. إذا كان آخر خبر شاهدناه زائفًا، يعتبره العقل مرجعًا أحدث ويعتقد أنه أكثر واقعية.

  9. تأثير الانضمام للجماعة (Bandwagon Effect)
    يميل عقلنا إلى قبول المعتقدات العامة. عندما يصدق الأغلبية خبرًا، نميل نحن أيضًا إلى اعتباره صحيحًا دون التحقق من صحته. هذا التحيز مؤثر جدًا في وسائل التواصل الاجتماعي حيث تنتشر الأخبار بسرعة.

تحيز العودة إلى المتوسط (Regression to the Mean Bias)
عادة لا ندرك أن العديد من الأحداث تعود طبيعيًا إلى المتوسط. لذلك قد نعتقد أن حدثًا معينًا (مثل انخفاض أو ارتفاع مفاجئ في معدل التضخم) هو نتيجة مباشرة لعامل معين، بينما قد يكون مجرد تقلب طبيعي. هذا يجعل بعض الأخبار الزائفة تقدم أسبابًا خاطئة ومبالغًا فيها للتغيرات.

يحدث الإرهاق المعلوماتي عندما يكون حجم المعلومات المدخلة إلى الدماغ أكبر من قدرة الدماغ على معالجتها وتحليلها.
المدون هو شخص له كلام ليقوله في مجال معين. غالبًا ما يكون المدونون أشخاصًا لديهم تواصل جيد مع الناس ويمكنهم التأثير بسرعة على الآخرين. بفضل معرفتهم، يمكنهم إقناع الآخرين باتخاذ خيارات مختلفة. المدون هو من يُنتج محتوى، وهذا الإنتاج يهدف إلى تحقيق هدف يسعى المدون لتحقيقه. يسعى المدون دائمًا لكسب رضا وثقة متابعيه. لذلك، معظم المدونين عند الترويج لمنتج ما يقومون بمراجعة نقاط القوة والضعف بشفافية ولا يبالغون في ذلك.

[3] https://www.augustachronicle.com/story/news/2020/03/11/study-social-media-use-personality-impact-risk-for-heart-disease/1542443007/

[4] https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC6372972/